13 مارس 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
سمير الفقيه
سمير الفقيه
13 مارس 2026

الحوثيون والحلقة الأخيرة

منذ سنوات واليمن يعيش فصولاً متلاحقة من الصراع المعقد. صراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية فحسب بل تحول إلى مشهد طويل من التحولات السياسية والإنسانية والإقليمية. وفي قلب هذا المشهد تقف جماعة الحوثيين كأحد أبرز الفاعلين الذين غيروا شكل المعادلة في البلاد. منذ سيطرتهم على العاصمة صنعاء عام 2014 وحتى اليوم. لكن السؤال الذي يتردد كثيراً في الأوساط السياسية والإعلامية هو: هل اقتربت الحلقة الأخيرة من هذا الصراع؟

 

لم تكن قصة الحوثيين مجرد حدث عابر في تاريخ اليمن الحديث. بل تحولت إلى فصل طويل من التحديات التي أعادت تشكيل موازين القوى في الداخل اليمني وربطت الملف اليمني بتعقيدات المشهد الإقليمي. فمع امتداد الحرب وتداخل المصالح الدولية والإقليمية. أصبح الصراع في اليمن أكثر من مجرد نزاع داخلي. بل جزءاً من شبكة أوسع من التوترات في المنطقة.
 
خلال السنوات الماضية تمكن الحوثيون من ترسيخ وجودهم العسكري والسياسي في مناطق واسعة من شمال اليمن مستفيدين من حالة الانقسام الداخلي وضعف مؤسسات الدولة. وفي المقابل واجهوا تحالفاً إقليمياً ودولياً سعى إلى إعادة التوازن وإيقاف تمددهم.
 
وبين هذين المسارين ظل الشعب اليمني يدفع الثمن الأكبر من معاناته الإنسانية والاقتصادية.
ولعل واحدة من أكثر الصور قسوة في هذا المشهد هي مأساة النزوح والتشريد التي عاشها آلاف اليمنيين بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون. فقد اضطر كثير من الأسر إلى ترك منازلهم ومدنهم وقراهم هرباً من القتال أو الملاحقات أو التضييق ليجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى ولا استقرار. تحولت البيوت إلى ذكريات والمدن إلى أماكن بعيدة لا يستطيع أصحابها العودة إليها.
 
آلاف الأسر تركت كل شيء خلفها المنازل. الممتلكات. الذكريات وحتى بعض أفراد العائلة الذين تفرقت بهم الطرق. عاش كثيرون سنوات طويلة بعيداً عن مدنهم وأحيائهم التي نشأوا فيها. متنقلين بين مدن الداخل أو خارج البلاد يحملون في قلوبهم حلم العودة الذي طال انتظاره. لم يكن النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر. بل كان اقتلاعاً مؤلماً من الجذور.
 
ومع مرور السنوات أصبحت العودة إلى الديار حلماً يتشاركه كثير من اليمنيين الذين أجبرتهم الظروف على الرحيل. كثير منهم لم يتمكن حتى اليوم من رؤية أهله أو أقاربه الذين افترق عنهم منذ بداية الحرب. هناك آباء لم يروا أبناءهم لسنوات. وأقارب تباعدت بينهم المسافات وبيوت بقيت أبوابها مغلقة تنتظر أصحابها. 
 
وفي خضم هذه التحولات يرى كثير من المراقبين أن المتغيرات الإقليمية المتسارعة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في اليمن. فمع تراجع النفوذ الإقليمي لبعض القوى الداعمة للحوثيين. وعلى رأسها إيران بدأت ملامح مرحلة مختلفة تلوح في الأفق. ومع اقتراب نهاية مرحلة الهيمنة الإيرانية في المنطقة يعتقد كثيرون أن نهاية مشروع الحوثيين أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
فالجماعة اليوم تقف أمام مفترق طرق واضح إما أن تدرك أن زمن فرض المشاريع بالقوة قد انتهى فتختار طريق التسوية والانخراط في دولة مدنية يتساوى فيها جميع اليمنيين تحت مظلة القانون. وإما أن تواجه واقعاً جديداً لن يكون سهلاً عليها في ظل رفض واسع من مختلف أطياف المجتمع اليمني لمشروعها.
 
إن اليمن بلد لا يمكن أن يُحكم بالقوة أو يُختزل في جماعة واحدة بل هو وطن يتسع لجميع أبنائه. ولذلك فإن المستقبل الحقيقي لليمن لن يكون إلا بدولة مدنية عادلة تقوم على الشراكة والعدالة وسيادة القانون بعيداً عن مشاريع السلاح والهيمنة.
 
لهذا يترقب كثير من اليمنيين نهاية هذه المرحلة ليس بدافع الانتقام بل بدافع الأمل في استعادة وطنهم وعودة الحياة إلى طبيعتها. فالنهاية التي ينتظرها المشردون والنازحون ليست مجرد نهاية جماعة. بل نهاية سنوات من الألم والفرقة.
 
إن “الحلقة الأخيرة” في قصة الحوثيين قد تكون بالنسبة لآلاف اليمنيين بداية الطريق للعودة إلى بيوتهم. وبداية لقاء طال انتظاره مع أهلهم وأقاربهم الذين فرقتهم الحرب لسنوات طويلة. فبعد كل ما مر به اليمن لم يعد الناس يبحثون عن انتصار طرف على آخر بل عن وطن يجمعهم ويعيد إليهم الأمان.
 
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يختار الحوثيون طريق الدولة والسلام أم يذهبون إلى مواجهة مصيرٍ يفرضه عليهم الواقع الجديد وإرادة اليمنيين؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف ملامح الحلقة الأخيرة من هذا المشهد الطويل.