تشهد محافظة إب، وسط اليمن، منذ أيام، حراكاً مجتمعياً واسعاً أفضى إلى الإفراج عن عدد من السجناء المعسرين في إصلاحية السجن المركزي، بعد سنوات طويلة قضوها خلف القضبان رغم استكمال مدد محكومياتهم القانونية، وعجزهم عن سداد المديونيات الصادرة بحقهم بموجب أحكام قضائية نهائية.
وجاءت هذه المبادرات عبر ناشطين وفاعلي خير، في ظل انتقادات متصاعدة لما يُسمى بـ "الهيئة العامة للزكاة" التابعة لمليشيا الحوثي، التي تحتكر – بحسب ناشطين – جمع وإنفاق أموال الزكاة، في وقت ظل فيه عشرات المعسرين في السجن دون معالجة أو استجابة لمناشداتهم.
اكتظاظ ومعاناة ممتدة
ووفق مصادر مطلعة، فإن السجن المركزي في مدينة إب، الذي تبلغ سعته الطبيعية نحو 1700 سجين، يضم أكثر من 3 آلاف سجين (أكثر من الضعف)، بينهم مئات المعسرين، ما يشكل ضغطاً مضاعفاً على إدارة السجن، في محافظة تُعد من أكثر المحافظات كثافة سكانية، إذ تجاوز عدد سكانها مليونين ونصف المليون نسمة وفق آخر تعداد سكاني عام 2004م.
ويؤكد ناشطون أن مئات المعسرين أنهوا مدد محكومياتهم، غير أن عجزهم عن سداد ما تبقى عليهم من مبالغ مالية أبقاهم رهن الاحتجاز لسنوات إضافية، وسط غياب دور "هيئة الزكاة" الحوثية التي أعلنت خلال السنوات الماضية عن مبادرات لمساعدة السجناء المعسرين.
وبحسب إفادات عدد من السجناء، فإنهم فقدوا الأمل بالهيئة بعد بقاء ملفاتهم "في الأدراج لسنوات طويلة دون جدوى"، ما دفعهم إلى توثيق قصصهم عبر مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لمناشدة فاعلي الخير مساعدتهم على الخروج من السجن.
وتحتكر ما تُسمى بـ "الهيئة العامة للزكاة" التابعة لمليشيا الحوثي جمع أموال الزكاة بمبالغ ضخمة، وتفرض وصايتها على آلية إنفاقها، في وقت تمنع فيه – بحسب روايات متعددة – التجار ورؤوس الأموال من صرف زكواتهم مباشرة على الفئات المستحقة، بما في ذلك السجناء المعسرين، الذين ظلوا لسنوات دون معالجة حقيقية لملفاتهم.
27 عاماً خلف القضبان
صباح الخميس الماضي، نجحت مبادرة مجتمعية في الإفراج عن السجين المعسر "عبدالكريم ناجي فارع الجراني"، بعد نحو 27 عاماً قضاها في السجن المركزي بإب على ذمة قضية تجارية.
وأفادت مصادر محلية أن الإفراج تم عقب سداد المبلغ المتبقي عليه، والبالغ 7 ملايين و700 ألف ريال، بدعم من أحد فاعلي الخير.
وكان الجراني قد ظهر في مقطع فيديو خلال ديسمبر الماضي، ضمن مناشدات لسجناء معسرين، أوضح فيه أنه صدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات ودفع مبلغ 7 ملايين و700 ألف ريال، غير أنه ظل محتجزاً بعد انقضاء مدة الحكم القانونية لعجزه عن سداد المديونية، ليقضي نحو 17 عاماً إضافية خلف القضبان.
وقال الناشط الإعلامي ماجد ياسين - أحد المتفاعلين مع الحملة - في منشور على منصة فيسبوك: "بحمد الله وبدعم أحد الخيرين، خرج السجين عبدالكريم الجراني، بعد 27 عام من مكوثه في السجن المركزي، وبعد ان تم دفع المبلغ الذي عليه 7 مليون و700 ألف".
وقبل ذلك بأيام، أُفرج عن السجين "صدام محمد غالب أبو الرجال"، بعد نحو 13 عاماً قضاها في السجن ذاته، إثر سداد مبلغ 9 ملايين و500 ألف ريال من قبل متبرعين، بحسب مصادر محلية.
كما شهدت الأسابيع الماضية الإفراج عن عدد من المعسرين، بينهم نساء، في إطار مبادرات قادها ناشطون من أبناء المحافظة، لإيصال أصوات السجناء إلى الميسورين وفاعلي الخير.
انتقادات لدور "هيئة الزكاة"
وأثارت هذه القصص للمعسرين انتقادات واسعة لدور "الهيئة العامة للزكاة" التابعة لمليشيا الحوثي، حيث اعتبر ناشطون أن بروز قضية المعسرين للعلن كشف فجوة بين الخطاب المعلن للهيئة وواقع السجناء.
وأكد ناشطون أن الهيئة تجمع مبالغ كبيرة من أموال الزكاة وتمنع – بحسب قولهم – التجار ورؤوس الأموال من صرف زكواتهم بشكل مباشر، في حين لا تصل تلك الأموال إلى فئات مستحقة، وفي مقدمتها السجناء المعسرون.
وبينما يقبع العشرات من السجناء المعسرين، الذين يُفترض أن تشملهم مصارف الزكاة، خلف القضبان، مضت المليشيا خلال الأيام الماضية في تدشين ما سمته بـ "مشاريع التمكين الاقتصادي" لعدد من الأسر في إب، وذلك بحضور محافظها في المحافظة عبدالواحد صلاح، الذي قال إن هذه المشاريع تمثل "ترجمة عملية لمفهوم التكافل الاجتماعي الذي حث عليه الدين الإسلامي"، وفق ما نقلته وسائل إعلام تابعة للجماعة.
غير أن ناشطين رأوا أن توقيت الإعلان عن هذا المشروع، قبيل حلول شهر رمضان، جاء بعد حملة انتقادات محلية واسعة طالت الهيئة الحوثية بسبب غيابها عن معالجة ملف المعسرين، مؤكدين أن أموال الزكاة "لا تصل إلى مستحقيها"، في ظل استمرار احتجاز عشرات السجناء بسبب عجزهم عن سداد مبالغ مالية.
"نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً"
الناشط علي السياغي وهو متعاون ومتفاعل آخر مع مبادرة المعسرين كتب على منصة فيسبوك، قبيل فعالية تدشين مشاريع "التمكين الاقتصادي": "اليوم مكتب الزكاة في إب عيعمل حفل بعد قليل والتدشين الاقتصادي مكائن خياطة ومدري ايش.. بمبلغ مليار ومدري كم، طيب اجمالي المعسرين بالسجن المركزي تقريبا 80 شخص، يحتاج لهم جميعا مع الدية وغير ذلك أقل من 200 مليون".
وأضاف متسائلاً: "أين أولى..! طيب لا نقولش اين أولى!، خرجوهم كلهم ودشنوا واحتفلوا وقسموا مكائن خياطه وووووو وبالمفتوح اسرقوا برحتكم.. للعلم مكينه الخياطة الواحدة فاتورتها على الهيئة ما يقارب الالف دولار.. ومخارج الزكاة واضحة".
وخاطب السياغي القائمين على الهيئة بالقول: "اتقوا الله، خافوا الله، اعدلوا هو أقرب للتقوى، شوف للمعسرين بعين الرحمة لا بعين الشهرة، أقسم بالله انه لا يوجد اي عداء ما بيني وبين مكتب الزكاة، لكن نسمع جعجعة منهم ولا نرى طحينا".
وتسلط هذه المبادرات المجتمعية الضوء على معاناة مستمرة لسجناء معسرين في محافظة إب، أنهوا مدد محكومياتهم القانونية، غير أن عجزهم المالي أبقاهم سنوات إضافية خلف القضبان، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإعادة توجيه أموال الزكاة نحو الفئات الأشد احتياجاً، وعلى رأسها السجناء المعسرون.
- المصدر أونلاين
