26 اكتوبر 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
د. نجيب عسكر
د. نجيب عسكر
26 اكتوبر 2026

التعليم في زمن الحرب... إنقاذ اليمن من بين مخالب الجهل

يظن بعض الناس أن الحديث عن إنقاذ التعليم في ظل الحروب المدمرة، كالحرب التي يشهدها اليمن، نوع من الترف الفكري، أو قضية يمكن تأجيلها إلى حين توقف المعارك واستعادة الاستقرار.

غير أن هذا التصور يغفل حقيقة بالغة الأهمية: فالحروب لا تدمر الحاضر وحده، بل تهدد مستقبل الأجيال أيضًا، حين تحرم الأطفال من حقهم في التعلم، وتتركهم فريسة للجهل والتشرد والاستغلال. إن المباني المدمرة يمكن إعادة بنائها متى توافرت الإرادة والموارد، أما السنوات التي يقضيها الأطفال خارج التعليم، وما قد يترتب على ذلك من أمية وضعف في المهارات وانحراف في الوعي، فلا يمكن تعويضها بسهولة.

ومن هنا، فإن استمرار التعليم في زمن الحرب ضرورة لحماية الإنسان، وصون المجتمع، والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. دروس من تجارب الأمم تؤكد تجارب الدول التي واجهت الحروب والنزاعات الطويلة أن تعطيل التعليم لا ينبغي أن يكون نتيجة حتمية للصراع. فقد اضطرت مجتمعات عديدة إلى البحث عن بدائل مؤقتة تضمن استمرار التعلم، من خلال الفصول البديلة، والمجموعات التعليمية الصغيرة، والمبادرات المجتمعية، والاستفادة من وسائل التعليم عن بُعد حيثما توافرت الإمكانات المناسبة.

ولا تعني الاستفادة من هذه التجارب استنساخها حرفياً؛ فلكل بلد ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما تختلف قدرته على توفير الموارد والحماية والخدمات الأساسية، لكن الدرس الأهم هو أن الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية التعليم يجب أن يكون جزءاً من الاستجابة للحرب، لا مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعدها.

وعند النظر إلى الواقع اليمني، نجد أوجه شبه واضحة مع تجارب دول عانت الحروب؛ من تضرر المدارس وتعطل الدراسة، إلى النزوح والتدهور المعيشي والضغوط النفسية التي تثقل كاهل الأطفال والمعلمين والأسر.

غير أن الأزمة اليمنية تتسم بتعقيدات إضافية، أبرزها الانقسامات المؤسسية، وشح الموارد، وتعثر انتظام رواتب المعلمين لسنوات، فضلاً عن ضعف الإمكانات اللازمة لتوفير بيئة تعليمية مستقرة وآمنة.

حين تصبح لقمة العيش منافساً للتعليم لا يمكن فهم أزمة التعليم في اليمن بمعزل عن الأزمة المعيشية التي تعصف بالأسر، فعندما ينشغل الوالدان بتأمين الغذاء والدواء والمأوى، وتتراجع قدرة الأسرة على توفير احتياجات أطفالها الأساسية، يصبح انتظام الأبناء في الدراسة أكثر صعوبة، وقد تضطر بعض الأسر إلى إخراجهم من المدارس للمساهمة في تأمين نفقات المعيشة. ويمكن الاستفادة من هرم ماسلو للحاجات الإنسانية في تفسير جانب من هذه المعضلة؛ إذ يصعب على الإنسان التركيز في التعلم عندما تكون احتياجاته الأساسية مهددة، أو حين يعيش في خوف دائم من الجوع والنزوح وفقدان الأمان، ولكن هذا لا يعني أن التعليم يفقد أهميته في مثل هذه الظروف، بل يعني أن إنقاذه يتطلب فهم الصعوبات التي تواجه الأسر، والعمل على تخفيفها، حتى لا يتحول الفقر إلى بوابة دائمة للتسرب والحرمان من المعرفة. وتتجاوز آثار الحرب حدود الصفوف الدراسية؛ فالاضطراب النفسي، وفقدان الشعور بالأمان، وتراجع فرص التعلم، قد تترك آثاراً بعيدة المدى على نمو الأطفال، وقدرتهم على الاندماج في المجتمع.

كما أن اتساع الفراغ التعليمي يرفع مخاطر الاستغلال وعمالة الأطفال والتجنيد، ويجعل الأجيال أكثر عرضة لخطابات الكراهية والتعبئة الأيديولوجية، وبالتالي تصبح خسارة التعليم  تهديداً لقدرة المجتمع على التعافي وإعادة بناء مؤسساته. المعلم.. الركيزة التي لا يستقيم التعليم دونها لا يمكن الحديث عن استمرارية التعليم دون وضع المعلم في صدارة الأولويات، فالمعلم الذي يعجز عن تأمين احتياجات أسرته، أو يعمل في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار والوسائل التعليمية، يجد نفسه أمام أعباء تتجاوز قدرته الفردية، مهما بلغت درجة إخلاصه لمهنته.

وقد أظهرت الأزمات أن كثيراً من المعلمين وأولياء الأمور يحاولون الحفاظ على صلة الأطفال بالتعلم من خلال مبادرات تطوعية، ومجموعات دراسية صغيرة، تُقام في المساحات المتاحة أو المرافق التي يمكن استخدامها لهذا الغرض. وتمثل هذه الجهود قيمة إنسانية وتربوية مهمة؛ لأنها تحد من الانقطاع الكامل عن التعليم، وتمنح الأطفال قدراً من الاستقرار والانتماء والأمل. لكن الإنصاف يقتضي ألا تتحول هذه المبادرات إلى بديل دائم عن مسؤولية المؤسسات المعنية. فالحماس الفردي، مهما كان صادقاً، لا يستطيع وحده تعويض غياب التمويل، ونقص الكتب والقرطاسية، وعدم انتظام الرواتب، وتضرر المدارس. ومن ثم، فإن دعم المعلمين وضمان الحد الأدنى من مقومات حياتهم وكرامتهم ليس مسألة إدارية هامشية، بل شرط أساسي لاستمرار العملية التعليمية. التعليم بين خطر التجهيل ومسؤولية حماية الوعي تتضاعف خطورة الأزمة عندما لا يقتصر أثر الحرب على تعطيل الدراسة، بل يمتد إلى مضمون التعليم ووظيفته، فالتعليم الذي يفقد استقلاله، أو يتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام والتحريض والكراهية، قد يسهم في تعميق الصراع بدلاً من إعداد الأجيال لتجاوزه. ومن هنا، تبرز ضرورة تحييد المؤسسات التعليمية عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وحماية حق الأطفال في تعليم ينمي قدراتهم العقلية، ويعزز قيم المواطنة والتعايش واحترام الاختلاف، ويمنحهم القدرة على التفكير النقدي والتمييز بين المعرفة والتضليل.

إن حماية التعليم لا تعني مجرد إبقاء الأطفال داخل الفصول، بل تعني أيضاً حماية عقولهم من التجهيل والتعبئة التي تنتقص من إنسانيتهم، وتُضعف قدرتهم على بناء مستقبل مشترك، فالمجتمع الذي يخسر مدارسَه ويهمل عقول أطفاله يواجه خطراً مزدوجاً: تراجع المعرفة، واتساع المسافة بين أجياله وفرص النهوض.

من إدارة الأزمة إلى خطة وطنية للإنقاذ إنقاذ التعليم في اليمن لا يمكن أن يُترك للجهود الفردية المتفرقة أو للمبادرات المؤقتة وحدها؛ بل يحتاج إلى رؤية وطنية واقعية، تتدرج في أولوياتها، وتستند إلى تقييم الاحتياجات الفعلية، وتراعي اختلاف الظروف بين المناطق. ويمكن أن تنطلق هذه الرؤية من عدد من المسارات المتكاملة:

1.    تحييد التعليم وحماية مؤسساته:  باعتباره مصلحة وطنية وحقاً أصيلاً للأطفال، بعيداً عن الصراع السياسي والعسكري، مع العمل على توفير بيئات تعليمية أكثر أماناً.

2.    دعم المعلمين:  عبر إيجاد حلول عاجلة ومستدامة لرواتبهم ومستحقاتهم، وتحسين ظروف عملهم، وتوفير الحد الأدنى من الوسائل التي تمكنهم من أداء رسالتهم.

3.    توفير بدائل تعليمية مرنة:  من خلال الفصول المؤقتة والمبادرات المجتمعية ، والمدارس البديلة، والاستفادة من التعليم الرقمي حيثما توافرت الكهرباء والاتصالات والأجهزة، دون افتراض أن هذه الوسائل متاحة لجميع الأطفال.

4.    معالجة التسرب والفجوات التعليمية:  عبر رصد الأطفال المنقطعين عن الدراسة، وتقديم برامج تعويضية تساعدهم على استعادة ما فاتهم، مع إيلاء اهتمام خاص للأطفال النازحين والأشد فقراً، والفئات الأقل وصولاً إلى الخدمات التعليمية.

5.    توسيع الشراكة الوطنية والمجتمعية:  بتنسيق الجهود بين الجهات التعليمية والمجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية، وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بدلًا من تشتيتها في مبادرات متفرقة يصعب قياس أثرها.

ولا ينبغي أن تنتظر هذه المسارات نهاية الحرب؛ فبعضها يمكن البدء به فوراً، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى موارد وتنسيق واستقرار أكبر. والمهم هو ألا تتحول الظروف الاستثنائية إلى مبرر دائم لتعطيل حق جيل كامل في التعلم. معركة المستقبل تبدأ الآن إن الحرب، مهما طال أمدها، لا ينبغي أن تنتزع من اليمن حقه في إعداد أجياله للمستقبل، فإعادة بناء المدارس وحدها لن تكون كافية إذا عاد الأطفال إلى مقاعد الدراسة وهم يفتقرون إلى المهارات الأساسية، أو إذا ظل المعلم عاجزاً عن أداء رسالته، أو إذا تحول التعليم إلى ساحة أخرى من ساحات الانقسام.

وستتوقف المعارك يوماً، لكن آثار الحرمان من التعليم يمكن أن تستمر سنوات طويلة، فتنعكس على فرص العمل، ومستويات الفقر، وقدرة المجتمع على استعادة مؤسساته وبناء دولة مستقرة. ولهذا، فإن الاستثمار في التعليم أثناء الحرب ليس إنفاقاً خارج الأولويات، بل حماية لما تبقى من قدرة اليمن على النهوض.

فالمباني يمكن أن تُبنى من جديد، أما العقول التي تُترك للجهل سنوات طويلة، فقد يدفع المجتمع ثمن إهمالها عقوداً.