11 مايو 2026
مساحة إعلانية إعلانك في إيجاز برس
شاكر المنيفي
شاكر المنيفي
11 مايو 2026

جمهورية العكفي.. كيف مهّد صالح الطريق لعودة الإمامة؟ 

 

قبل أيام، روى الباحث عبدالغني الإرياني، في حلقة بودكاست، واقعة شهدها "دار الرئاسة" في الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، وتحديداً في نوفمبر من العام 2011، حين استدعى صالح مشايخ "المنطقة الزيدية" واجتمع بهم في خيمته الشهيرة، قائلاً لهم: "أنا آخر رئيس زيدي، وإذا أردتم المحافظة على مصالحكم فعليكم بطريق السيد" (في إشارة إلى الحوثي)، مؤكداً أن صالح قام، في تلك اللحظة، بتجيير النخبة القبلية لصالح الحركة الحوثية، وهي التي أوصلتها إلى صنعاء.

هذه الشهادة المهمة لقيت هجوماً ونقداً شديدين من قبل شيعة صالح، وبلغ الأمر حد التشكيك في مواقف أسرة الإرياني الجمهورية، وشنّ حملة إساءات لا حدود لها. ورغم أنني أختلف كثيراً مع توجهات مركز صنعاء، ومع الكثير من مواقف وآراء عبدالغني، إلا أن حديثه عن زيدية صالح ومناطقيته يحتاج إلى توقف، خاصة بعد أن رأيت بعض من كنت أعتقد أنهم باحثون جادون وخبراء في السياسة والتاريخ اليمني، وبعيدون كل البعد عن العفششة أو التعصب القبلي والمناطقي، فإذا بهم يشاركون في حملة الردح ضد الباحث عبدالغني، ويعملون جاهدين على تبييض صفحة صالح.

زمنياً، دعم علي عبدالله صالح حركة الانبعاث المذهبية الهادوية الزيدية الجديدة منذ عقود، سواء في مرحلة "الشباب المؤمن" باعتراف محمد عزان، أو في مرحلة الصريع حسين الحوثي، ثم في مرحلة الحروب الستة، بدءاً من تعيين السلالي الكبير يحيى الشامي محافظاً لصعدة مع 300 مليون ريال بدعوى إعادة الإعمار، الذي لم يحدث منه شيء سوى إعمار الاستعدادات العسكرية الجديدة للحوثيين وشراء الأسلحة ترضية للحركة الهادوية بأجنحتها، ثم في التلاعب بمجريات الحرب الثانية وإيقافها في الساعة الحرجة باتصال هاتفي قبل القضاء على القيادة الحوثية المحاصرة في أحد الشعاب، ثم تحول الجولات الأربع الأخيرة إلى مؤامرة للقضاء على الفرقة الأولى وقائدها، إلى درجة إرسال إحداثيات مقر قيادته للسعوديين لقصفها باعتبارها هدفاً حوثياً.

أضف إلى ذلك أن نتيجة تلك الحروب كانت خروج الحوثيين قوةً عسكريةً كبيرةً ومتمكنةً في الأرض، وما سبق ذلك وصولاً إلى التحالف الفعلي بين عفاش والمؤتمر والحوثيين في صعدة. إذ إن الفترة الزمنية ليست قصيرة حتى لا يُقاس عليها، فضلاً عن النتائج الكارثية التي وصلت إليها اليمن بسبب ذلك.

التهوين من تحالف صالح والحوثيين بالقول إنه كان في مرحلة صراع حاد على السلطة، كما برر ويبرر البعض، هو في الحقيقة حجة عليهم وعلى صالح معاً؛ فالإيمان بالمبادئ لا تثبت مصداقيته إلا في وقت الشدائد. ولو كان صالح جمهورياً حقيقياً وبريئاً من العقدة المذهبية والقبلية، لما فضل الحوثيين على هادي والفترة الانتقالية التي كانت بصدد تأسيس عقد جمهوري سياسي واجتماعي جديد ينتج يمنًا جمهورياً جديداً، ليس فيه احتكار للسلطة ولا احتكار للثروة، لكنه مارس كل ألاعيبه لتدمير الفترة الانتقالية، وأدى رقصته الأخيرة ليس مع الثعابين، ولكن مع الحية الرقطاء السامة الأشد فتكاً، انتقاماً ممن أجبره على التنحي.

لم يكن صالح الأول بين رؤساء الجمهورية الذين أزيحوا عن السلطة بانقلاب أو قتلاً، لكنه كان الوحيد الذي خرج سالماً، وحظي بضمانات لحمايته من المساءلة القضائية عن جرائمه، وظل في بيته بكل أموال الدولة التي نهبها، وبالإمكانيات التي جيّرها لنفسه وعائلته وحزبه وقبيلته (ويقال إنه كان يُصرف له شهرياً أكثر من ثلاثين ألف لتر من المشتقات النفطية)، واستغل كل ذلك لتدمير الفترة الانتقالية وتمكين الحوثيين وقبائله العسكرية من الانقضاض على الدولة والمجتمع وإزهاق روح النظام الجمهوري، بكل ما يمثله ذلك من خطر على الوحدة بين الجنوب والشمال، وبين المناطق المختلفة مذهبياً، واشتعال النعرات المذهبية والمناطقية.

لقد بالغ البعض في تبرئة صالح من اللؤم والخسة، واعتبروا أفعاله شبيهة بأفعال كل مكونات النخبة السياسية التي عملت على تسييس الهويات الفرعية وتوظيفها في الصراع على السلطة. هكذا، ببساطة، يتهمون كل اليمنيين ونخبهم السياسية دون استثناء؛ إذ يصبح عفاش، وفق هذا المنطق، ليس مجرماً ولا مخطئاً ما دام الجميع قد أسس للهويات الفرعية، وإن كان هو أكثرهم مساهمةً، بحسب موضوعية أحد الباحثين المدافعين عن صالح.

صالح فعلاً لم يكن زيدياً بالمعنى الفكري، لكن في باطنه كان يكمن "عكفي" قديم وقبلي يدين بالولاء لحكم الهضبة، وأن تكون هي المتسيدة باسم الجمهورية أو المذهب أو القبيلة، ولو بالتحالف مع إيران وكل شياطين الداخل والخارج.

كلمة أخيرة: لقد عاب البعض على الإرياني عدم صلة اتهامه لصالح بالبحث، لكن هل يُعد من البحث تبرير جرائم عفاش بالقول إنه فتح حكمه لمضامين الحكم الجمهوري كي تتسع وتترسخ في مختلف مناطق اليمن، كما ادعى أحدهم؟

ما هي هذه المضامين الجمهورية التي عمل صالح على ترسيخها؟

• سنحنة الجيش والأمن والمخابرات، ووضعها فعلياً في أيدي رجال سنحان وآنس وبني مطر والحيمة وبقية القبائل المحيطة بصنعاء. • مأسسة الفساد الشامل في أجهزة الدولة والمجتمع، واستخدامه وسيلةً لشراء الذمم والوصوليين والمنافقين، ومنع أي محاولة لإصلاحات حقيقية. • تزييف الممارسات الديمقراطية، والإمعان في جعلها شكليةً باهتةً ومضحكة، والقضاء على أي أمل في تجسيد التداول السلمي وحيادية الدولة ومكوناتها التشريعية والقضائية والإعلامية والعسكرية، وهو الشرط الأساسي للنظام الجمهوري الديمقراطي. • التمهيد لتوريث الحكم لابنه ونسله من بعده على طريقة النظام الملكي، وجعل أبنائه وأبناء شقيقه قادةً متحكمين بالجيش والأمن، إلى درجة استحداث جيش عائلي، وأمن قومي عائلي، وأمن داخلي عائلي. • التحالفات السرية مع قوى الظلام والعنف، من الهادوية الحوثية إلى القاعدة إلى الانفصاليين الذين كانت له أصابع ومخالب فيهم، واستخدمهم لضرب معارضيه وخلط الأوراق وتمزيق المجتمع عند الحاجة، وضرب خصومه وقتلهم.

هل هذه هي مضامين الجمهورية التي تستحق الإشادة بها؟

قد تكون هناك مبالغة في كلام عبدالغني الإرياني في إدانة صالح ومرحلته، لكن ذلك لا يبرر مبالغاتكم في تبرئة صالح أو التخفيف من أفعاله وتدميره لليمن بأحقاده وإجرامه، وخصوصاً الزعم بأنه رسخ مضامين النظام الجمهوري، وهي شهادة ستظل مزعجة لكل المدافعين عن صالح.