خمسة عشر عاماً مضت منذ أن خرج المجتمع اليمني من صمت طويل إلى المطالبة بحقوقه الأساسية. كانت ثورة الحادي عشر من فبراير 2011 لحظة انتقال نوعي في الوعي العام، لحظة أدرك فيها الناس أن الدولة بحاجة إلى إعادة تعريف، وأن السياسة تحتاج إلى معنى يعكس العدالة والمواطنة والمشاركة.
خرج اليمنيون اعتراضاً على بنية حياة سياسية أعمتها الولاءات الفردية، واستنزفت معنى الدولة، وحوّلت السياسة إلى شبكة مصالح مغلقة.
حين تصل المجتمعات إلى اللحظة التي يصبح فيها الصمت أكثر كلفة من الكلام، ويغدو البقاء في الموقع ذاته شكلاً من أشكال التواطؤ مع التآكل البطيء للمعنى، يبدأ التاريخ في تغيير نبرته. يتسلل هذا التحوّل إلى الوعي الجمعي كقلق أخلاقي عميق، كإحساس جماعي بأن النظام القائم فقد القدرة على تفسير ذاته وتبرير استمراره. وهنا يبدأ التفكير في التغيير.
والتغيير، في عمقه الاجتماعي، لا يتشكّل بوصفه قطيعة مع الزمن السابق، بل بوصفه مساءلة كبرى له، وعندما تُغلق قنوات الإصلاح التدريجي، وتُصادر السياسة، ويُدفع المجتمع إلى هامش القرار، تصبح الثورة شكلاً من أشكال "التنفس التاريخي" للمجتمع المختنق.
والثورات في حياة الشعوب لا تُقاس بتقويم السنوات، ولا بلحظات انفعال جمعي سرعان ما تنطفئ، لأنها في معناها العميق لحظات وعي تاريخي نادر، يتقدّم فيها المجتمع خطوة إلى الأمام ليراجع علاقته بالدولة، ويعيد مساءلة السلطة، ويطالب بأن تكون السياسة أخلاقاً عامة، لا امتيازاً خاصاً.
المجتمعات التي تتوقف عن التغيير تدخل طور الشيخوخة، حتى وإن بدت مستقرة في ظاهرها، والدولة كائن تاريخي، إن لم يجدد دماءه بالعدالة والمشاركة والشفافية، تتحول إلى جهاز قهر، ويتحوّل مواطنوه إلى رعايا.
كما أن الثورات ليست عملاً تخريبياً كما تُصوّرها السرديات السلطوية، بل فعل تأسيسي، يهدف إلى تحرير الدولة من التشوّه الذي أصابها.
ومن هنا كانت ثورة فبراير انكساراً في بنية الصمت الطويل، وكانت الساحات تعبيراً عن الاعتراض على نمط كامل من إدارة الحياة، وعلى اختزال الدولة في أشخاص، والمجتمع في ولاءات، والسياسة في دوائر مغلقة لا ترى في المواطن سوى تابع أو هامش.
في الساحات تم تشكيل وعي جماعي، تجربة عملية للسياسة بوصفها فعلاً أخلاقياً. تحرك الناس لاستدعاء الدولة كمفهوم ومشروع، وعد بالمساواة وبالقانون وبمكانة المواطن. هذا الوعي السياسي تحوّل إلى محاولة لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، وإعادة التفكير في علاقة المجتمع بالدولة، وبكيفية إدارة الصراع والخلاف على أساس المشاركة وليس القوة.
ما ميز الثورة اليمنية أن من خرج من اليمنيين لمساندتها لم يكونوا جموعًا مستقطبة، بل مجتمعاً كاملاً يستعيد صوته. لذلك تلاشت في الساحات المسافات بين التيارات والهويات، وتقدّم الإنسان اليمني بوصفه مواطناً أولاً، وكانت الساحة صورة مصغّرة لوطن ممكن، تُدار فيه الاختلافات بالحوار لا بالقوة، تعبر عن إعلان ناضج بأن المجتمع يريد إصلاح الدولة، لا تدميرها، وبناءها لا الاستيلاء عليها.
ومن هذا الأفق، تبلورت محاولة نادرة لإعادة التفكير في العقد الاجتماعي عبر الحوار الوطني، باعتباره مسعى لإعادة تعريف اليمن كفضاء مشترك، قابل للعيش، ومفتوح على المستقبل.
حين انعقد مؤتمر الحوار الوطني، كان ذلك التعبير الأكثر نضجاً عن وعي فبراير. لأول مرة في التاريخ اليمني الحديث، جرى التفكير بالدولة كمشروع مشترك، لا إرث سياسي لطرف دون آخر، والثورة هنا تحوّلت من شعار إلى وثيقة، ومن حماس إلى رؤية. وقد كان الحوار الوطني محاولة عقلنة الثورة، وتحويل طاقتها الأخلاقية إلى مشروع دولة، وهذه إحدى العلامات الفارقة في نضج التجربة اليمنية.
والصراعات التي أعقبت الثورة لا تُقرأ خارج مقاومة عميقة لفكرة الدولة ذاتها. العنف الذي اجتاح البلاد كان عن خوف من مشروع سياسي يسحب البساط من تحت منطق الغلبة ويعيد السلطة إلى شروطها المدنية. والحرب كانت إعلان فشل للسياسة التقليدية في التكيّف مع معنى جديد للشرعية، وكشفاً فادحاً لخطورة غياب الدولة، لا لخطورة الحلم بها.
تحميل الثورة مسؤولية الانهيار قراءة تُفرغ التاريخ من منطقه. فالانقلابات والصراعات المسلحة غالباً ما تنشأ من مقاومة النخب المتضررة لأي تغيير يمس امتيازاتها، وهكذا بدت الحرب ردّة فعل على مشروع الدولة، لا نتيجة له. الثورة كشفت ما كان كامناً تحت السطح، وأكدت أن هناك من يرى في الدولة العادلة خطراً وجودياً عليه، وبهذا المعنى، لم تنفِ المأساة شرعية فبراير، بل أكدت ضرورتها.
اليوم، ومع ما تشهده اليمن من تحولات، يتضح أهمية استعادة الدولة. لا يمكن لأي كيان سياسي أن يستقر خارج أفق الدولة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يحمي ذاته دون مؤسسات تضبط القوة، وتؤطر الخلاف، وتمنح السياسة معناها المدني. العودة إلى منطق الدولة هي استعادة لفكرة النظام العام الذي يجعل التعايش ممكناً، والخلاف غير قاتل، والاختلاف غير مدمر.
والثورات لا تعيش على الهتاف طويلاً، فالهتاف يفتح الباب، لكن البناء هو ما يصنع المستقبل. والجيل الذي أشعل شرارة الوعي مدعو اليوم للاستمرار في دعم مشروعه المؤسسي لبناء الدولة المدنية الحديثة. النضال ليس فقط تظاهراً واحتجاجاً، بل معرفة، وتنظيماً، وإعلاماً، ورقابة مجتمعية، وإنتاج خطاب وطني جامع.
في هذا السياق، يقف الجميع أمام امتحان مختلف؛ فعل طويل النفس يتطلّب أدوات جديدة، وخطاباً أكثر اتزاناً، وقدرة على الاشتغال في الفضاء العام بوعي ومسؤولية. الثورة كمشروع وطني ليست هوية إقصائية، فحين تتحول إلى هوية مغلقة تفقد معناها، فهي ليست حزباً، ولا طائفة، ولا ذكرى مقدسة، بل فكرة مفتوحة للجميع. ليس مهماً من كان في الساحات ومن لم يكن، الأهم من يشارك اليوم في البناء. الدول تُشيّد بالتسامح والشراكة، ونبل الثورة يُقاس بقدرتها على احتواء المختلف، لا تصنيفه.
والمشروع الذي حملته فبراير الثورة لم يُصَغ بوصفه خصومة، بل أفقاً جامعاً، يفتح المجال لكل من يرى في الدولة المدنية الحديثة شرطاً للخلاص الجماعي. وحين ينزلق الخطاب إلى المناكفة، يفقد قدرته على حماية المعنى، ويتحوّل إلى عبء على المشروع، لأن السياسة في لحظات التحوّل الكبرى تحتاج إلى لغة تليق بثقلها، ووعياً يدرك أن المعركة الحقيقية تُخاض في بناء الأفق المشترك، لا في استنزافه.
والتاريخ في مساره الطويل لا يخطئ في تمييز من جعلوا الوطن غاية، ومن اتخذوه وسيلة. وفي زمن تتكاثر فيه الشهادات وتتعرّى المسارات، يغدو الفعل الوطني مسؤولية مضاعفة، لأن أثره لا يزول، وكل هفوة تؤجّج الصراع أو تؤخّر استعادة الدولة ستبقى شاهدة على أصحابها، أفراداً وجماعات.
فبراير ليست ذكرى يوم في الروزنامة، بل إيمان بأن الدولة المدنية ممكنة، وأن الإنسان اليمني جدير بحياة كريمة. لم تنتهِ لأنها لم تكن حدثاً زمنياً، بل تحوّلاً في الوعي اليمني. وما دام سؤال الدولة المدنية الحديثة مطروحاً، وما دام اليمنيون يحلمون بوطن يتسع للجميع، فإن فبراير سيبقى حاضراً، لا كحنين، بل كبوصلة ومشروع جامع.
- المصدر أونلاين
- ياسر الرعيني - وزير الدولة السابق لشؤون تنفيذ مخرجات الحوار الوطني

