جبر الخواطر
برامجُ جبرِ الخواطرِ الرمضانيةُ التي تُبكي القلوبَ قبل العيون، تكشفُ مقدارَ الانسحاقِ الذي يرزحُ تحته الإنسانُ العربيُّ في أرضه؛ إنسانٌ مهدورُ، مسلوب الكرامة، مصلوبٌ علىٰ خشبةِ المعاناة، فإذا ظفر بفتاتٍ تُلقيه هذه البرامجُ بين يديه، فرِحَ فرحَ الرجل الذي أضلَّ راحلته في فلاة مهلكة، حتى أيقنَ بالهلاك، فلما وجدها قال من شدّة الفرح: «اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدَّةِ الفرح».
بلادٌ تضيقُ بخيراتها، وتزخرُ بطاقاتها، بيْدَ أنَّ إنسانها يعيش تحت الرماد، يُحرم أدنى حقٍّ، ويُمنُّ عليه بأن يُترك حيًّا علىٰ ظهر الأرض. أيُّ حياةٍ هذه لإنسانٍ يشتهي ماءً نظيفًا بلا معاناة، أو شيخٍ يطلبُ ما يسدُّ رمقَه في خريفٍ أثقلته السُّنون، أو شابّ لا يرى أمامه طريقًا، فيركضُ في المدى ركضَ اللاهث، حتى إذا وقف لينظر، لم يجد في يده إلا قبضَ الريح.
يمضي الإنسان في بلادٍ لو وُزِّعت خيراتها بعدلٍ لكفت أهلها وزادت، لكنَّ العدل إذا غاب ضاقت الأرضُ بما رحبت، وإذا هانت الكرامة لم تُغنِ كثرةُ الموارد، وإذا فسد التدبير صار الغنى لونًا من ألوانِ الفقر.
وما هذه الدموع التي تثيرها تلك البرامج إلا شاهدٌ على جرحٍ أعمق، وحرمانٍ تراكمت طبقاته حتى صار الناس يفرحون باليسير فرحَ الغريقِ بخشبة.
وإنَّ أمَّةً يبلغُ بها الحال أن يُدهشها العطاءُ القليل، ويُبكيها المعروفُ اليسير، أمَّةٌ تحتاج إلى إصلاحٍ في أصل البناء قبل أن تحتاج إلى مواساةٍ في ظاهر الحال؛ فإنَّ جبرَ الخاطرِ الجميل لا ينبغي أن يكونَ بديلاً عن إقامةِ الحق، ولا صدقةً تُلقى علىٰ أبواب البؤس بدل أن تُغلق أبواب البؤس من أساسها.
وليسَ أوجعَ على النفس من أن ترى الإنسان في أرضه غريبًا، وفي وطنه مستضعفًا، وفي بلاده التي تضيقُ بالخيرات: يمدُّ يده إلىٰ ما هو دون حقّه، ثم يُقال له: احمدوا الله على ما أنتم فيه.
وإنما تحمدُ النعمة إذا استقامت، ويُشكر العطاء إذا عُمَّ، ويطيبُ العيش إذا قام علىٰ العدل؛ فإذا اختلَّ الميزان، كثرت الدموع، وتوارت الكرامة، وصار أدنى المعروف يُدهش الناس، كأنهم لم يُخلقوا له.
وذلك غايةُ ما ينتهي إليه الهوان.
من صفحة الكاتب على فيسبوك