الحرب خفضت صادرات العسل اليمني بأكثر من 50% وتهدد معيشة 100 ألف نحال
كشفت دراسة حديثة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان “تحليل سلسلة القيمة للعسل في اليمن”، عن واقع معقد يواجه أحد أهم القطاعات الزراعية والإنتاجية في البلاد، مؤكدة أن الحرب المستمرة منذ عام 2015 تسببت في تراجع صادرات العسل اليمني بأكثر من 50%، وأثرت بشكل مباشر على معيشة نحو 100 ألف شخص يعملون في هذا القطاع الحيوي.
الدراسة التي أعدتها الباحثة أميرة قاسم، أخصائية سلسلة القيمة واستشارية تكامل الأعمال الزراعية والأسواق، وصدرَت في أبريل 2026، قدمت تحليلاً موسعاً لمختلف حلقات سلسلة قيمة العسل في اليمن، بدءاً من تربية النحل والإنتاج، مروراً بالتعبئة والتسويق، وصولاً إلى التصدير والأسواق الدولية.
وأكدت الدراسة أن العسل اليمني، وخاصة عسل السدر والدوعني، لا يزال يحتفظ بسمعته العالمية بفضل جودته الاستثنائية وخصائصه العلاجية ونكهاته الفريدة، ما يمنحه إمكانات اقتصادية هائلة تجعله من أبرز المنتجات اليمنية القادرة على المنافسة عالمياً إذا ما توفرت الظروف الملائمة للنمو والاستثمار.
قطاع اقتصادي ضخم مهدد بالحرب
وأوضحت الدراسة أن قطاع العسل يمثل ركيزة اقتصادية واجتماعية مهمة في اليمن، حيث يوفر فرص عمل ودخلاً ثابتاً لعشرات الآلاف من الأسر الريفية، ويسهم في دعم الأمن الغذائي والحفاظ على التنوع البيولوجي من خلال عمليات التلقيح الزراعي.
وقبل اندلاع الحرب، كان اليمن يصدر قرابة 50 ألف طن من العسل سنوياً، وفق بيانات اتحاد النحالين اليمنيين، غير أن النزاع المسلح أدى إلى انهيار كبير في حركة التصدير والإنتاج.
وأشارت الدراسة إلى أن النحالين باتوا يواجهون مخاطر أمنية متعددة، من بينها صعوبة الوصول إلى مناطق الرعي الموسمية، والابتزاز عند نقاط التفتيش، وفرض جبايات متعددة تحت مسميات مختلفة، إضافة إلى القيود المفروضة على تنقل الخلايا بين المحافظات، ما رفع تكاليف الإنتاج بشكل كبير.
كما أدت الحرب إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، بما في ذلك الطرق ووسائل النقل، الأمر الذي زاد من خسائر ما بعد الحصاد وأعاق وصول المنتج إلى الأسواق المحلية والخارجية.
عمران وحضرموت تتصدران الإنتاج
وبحسب الدراسة، تُعد محافظة عمران، وخصوصاً منطقة العصيمات، من أبرز مناطق إنتاج العسل في شمال اليمن، حيث تشتهر بإنتاج عسل السدر وعسل البرسيم والعسل متعدد الأزهار.
أما محافظة حضرموت، ولا سيما منطقة دوعن، فتُعد واحدة من أهم مراكز إنتاج العسل اليمني عالي الجودة، وتشتهر بعسل السدر الدوعني وعسل السمر الذي يحظى بطلب واسع في الأسواق الخليجية.
وأكدت الدراسة أن التنوع الجغرافي والمناخي في اليمن يوفر بيئة مثالية لتربية النحل، تمتد من المرتفعات الجبلية المعتدلة إلى المناطق الساحلية الدافئة، ما يمنح العسل اليمني خصائص فريدة يصعب تكرارها في بلدان أخرى.

البنية التحتية.. الحلقة الأضعف
وسلطت الدراسة الضوء على أزمة البنية التحتية باعتبارها من أكبر العقبات التي تواجه القطاع.
فالطرق غير المعبدة أو المتضررة تجعل نقل العسل عملية مكلفة ومعقدة، فيما يؤدي غياب مرافق التخزين الحديثة وسلسلة التبريد إلى تلف جزء من الإنتاج وتراجع الجودة.
كما لا يزال كثير من المنتجين يعتمدون على وسائل تقليدية في استخراج العسل وتعبئته، وهو ما يحد من كفاءة الإنتاج ويؤثر على قدرته التنافسية في الأسواق العالمية.
وأشارت الدراسة إلى أن 72% من النحالين في شمال اليمن يستخدمون خلايا حديثة، مقابل 87% في الجنوب، في حين لا يزال جزء من المنتجين يعتمدون على الخلايا التقليدية.
ضعف التمويل والتسويق
وكشف المسح الميداني الذي اعتمدت عليه الدراسة عن تحديات كبيرة تواجه النحالين في الحصول على التمويل، إذ أفاد 39% منهم بأنهم غير قادرين على تقديم الضمانات المطلوبة للحصول على القروض، بينما اعتبر 20% أن أسعار الفائدة مرتفعة، وأشار 27% إلى أن نظم السداد لا تتناسب مع طبيعة دخلهم الموسمي.
وفي جانب التسويق، أوضحت الدراسة أن ضعف العلامة التجارية للعسل اليمني وغياب استراتيجيات التسويق الحديثة يحولان دون تحقيق القطاع لإمكاناته الحقيقية.
كما أن محدودية المشاركة في المعارض الدولية وضعف الوصول المباشر للأسواق العالمية يجعلان المنتج اليمني أقل حضوراً رغم جودته العالية.
وأظهرت الدراسة أن 71% من المستطلعين يرون أن أسعار العسل اليمني في السوق المحلية “منخفضة” ولا تعكس قيمته الحقيقية.
الغش يهدد السمعة العالمية
ومن أخطر التحديات التي رصدتها الدراسة انتشار ظاهرة غش العسل، في ظل غياب منظومة رقابة متكاملة ومراكز فحص متخصصة ومعايير وطنية موحدة للجودة.
وأكدت الدراسة أن هذه الظاهرة تشكل تهديداً مباشراً لسمعة العسل اليمني في الأسواق الخارجية، خاصة مع تنامي المنافسة الدولية وارتفاع متطلبات الجودة.
ودعت إلى تطبيق نظام صارم لإثبات أصالة العسل اليمني، وإنشاء برامج وطنية لضبط الجودة، تشمل التدريب على أساليب الإنتاج الموحدة وإدارة الخلايا وعمليات المعالجة والتعبئة.
فرص واعدة رغم التحديات
ورغم التحديات الكبيرة، أكدت الدراسة أن قطاع العسل يمتلك فرصاً واسعة للنمو، خصوصاً مع استمرار الطلب المرتفع على العسل اليمني في أسواق الخليج.
وأوصت الدراسة بالاستثمار في تطوير البنية التحتية، وإنشاء مرافق تخزين حديثة، وتحسين شبكات النقل، إلى جانب تطوير تقنيات الإنتاج والتعبئة.
كما دعت إلى تبني استراتيجيات تسويق حديثة، وبناء علامة تجارية وطنية للعسل اليمني، وتشجيع النحالين على إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة مثل شمع العسل وغذاء ملكات النحل.
وشددت الدراسة على أهمية دعم المبادرات البيئية، خصوصاً زراعة أشجار السدر وتوسيع المراعي الطبيعية لضمان استدامة القطاع والحفاظ على التنوع البيولوجي.
توصيات لإنقاذ القطاع
وفي ختامها، أكدت الدراسة أن إنقاذ قطاع العسل في اليمن يتطلب تضافر جهود الحكومة والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع التركيز على تحقيق الاستقرار في مناطق الإنتاج، وتوفير التمويل والتدريب للنحالين، وتحسين الوصول إلى الأسواق المحلية والدولية.
كما أوصت بتأسيس تعاونيات للنحالين لتعزيز قدرتهم التفاوضية، وتسهيل حصولهم على الموارد والخدمات، إضافة إلى تطوير أنظمة رقمية حديثة لمراقبة الإنتاج وإدارة المناحل ورفع الكفاءة التشغيلية.
ورأت الدراسة أن قطاع العسل يمكن أن يتحول إلى أحد أهم محركات الاقتصاد اليمني غير النفطي، إذا ما جرى استثمار إمكاناته الفريدة بشكل صحيح، في ظل الطلب العالمي المتزايد على المنتجات الطبيعية والعضوية عالية الجودة.